الشيخ محمد رشيد رضا

79

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وكلا القولين وجيه فالأول يكلف الحكام ملاحظة أحوال العامة والاجتهاد في إصلاح أحوالهم ، والثاني يكلف كل المسلمين أن يلاحظ بعضهم شؤون بعض ويعينه على ما تحسن به حاله . واختلفوا في وظيفة الحكمين فقال بعضهم انهما وكيلان لا يحكمان الا بما وكلا به وقال بعضهم إنهما حاكمان ( وذكر مذهب علي وابن عباس بالاختصار وقد ذكرنا الرواية عنهما آنفا ) وقوله إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما يشعر بأنه يجب على الحكمين ان لا يدخرا وسعا في الاصلاح كأنه يقول إن صحت ارادتهما فالتوفيق كائن لا محالة . وهذا يدل على نهاية العناية من اللّه تعالى في إحكام نظام البيوت الذي لا قيمة له عند المسلمين في هذا الزمان ، وانظروا كيف لم يذكر مقابل التوفيق بينهما وهو التفريق عند تعينه ، لم يذكره حتى لا يذكر به لأنه يبغضه وليشعر النفوس انه ليس من شأنه ان يقع . وظاهر الامر ان هذا التحكيم واجب لكنهم اختلفوا فيه فقال بعضهم إنه واجب وبعضهم إنه مندوب واشتغلوا بالخلاف فيه عن العمل ، به لأن عنايتنا بالدين صارت محصورة في الخلاف والجدل ، وتعصب كل طائفة من المسلمين ، لقول واحد من المختلفين ، مع عدم العناية بالعمل به ، فهاهم أولاء قد أهملوا هذه الوصية الجليلة لا يعمل بها أحد على أنها واجبة ولا على أنها مندوبة والبيوت يدب فيها الفساد ، فيفتك بالأخلاق والآداب ، ويسري من الوالدين إلى الأولاد ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً أي انه كان فيما شرعه لكم من هذا الحكم عليما بأحوال العباد وأخلاقهم وما يصلح لهم خبيرا بما يقع بينهم وبأسبابه الظاهرة والباطنة فلا يخفى عليه شيء من وسائل الاصلاح بينهما ، واني لأكاد أبصر الآية الحكيمة تومئ بالاسمين الكريمين إلى أن كثيرا من الخلاف يقع بين الزوجين فيظن أنه مما يتعذر تلافيه هو في الواقع ونفس الامر ناشئ عن سوء التفاهم لأسباب عارضة ، لا عن تباين في الطباع أو عداوة راسخة ، وما كان كذلك يسهل على الحكمين الخبيرين بدخائل الزوجين لقربهما منهما ، ان يمحصا ما علق من أسبابه في قلوبهما ، مهما حسنت النية وصحت الإرادة ، ان الزوجية أقوى رابطة تربط اثنين من البشر أحدهما بالاخر فهي الصلة التي بها يشعر كل من الزوجين بأنه شريك الآخر في كل شيء مادي ومعنوي